يسعى الزعيم الصيني شي جين بينج إلى تعميق العلاقات مع شريك أمني قديم للولايات المتحدة، وتوسيع دور بكين في منطقة هزتها الحرب، وذلك خلال زيارته إلى مصر، وفقًا للكاتبتين ليلي كو وإريكا سولومون في تقريرهما.


عندما وصل الزعيم الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، مساء الثلاثاء، استقبله أطفال يرتدون قمصانًا تحمل صورته، فيما قدم فنانون عروضًا للرقص التقليدي، وذهب رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي بنفسه إلى المطار لاستقباله. ورأت «نيويورك تايمز» أن هذا الاستقبال يعكس بالنسبة إلى الصين تنامي نفوذها في مصر، الشريك الأمني التقليدي للولايات المتحدة.


وتعد هذه الزيارة الأولى لشي إلى مصر منذ عقد، وقد وصف الرئيس الصيني البلدين بأنهما «شقيقان مقربان» تجمعهما ذاكرة مشتركة لمقاومة الإمبريالية، في محاولة لتقديم بكين باعتبارها قوة عالمية من نوع مختلف عن القوى الغربية.


ووصل شي إلى القاهرة في وقت تجددت فيه المواجهات بين إيران والولايات المتحدة، في أحدث تصعيد لحرب سعت معظم دول المنطقة، من مصر إلى دول الخليج، إلى دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتجنب إشعالها في وقت سابق من العام.


وتحصل مصر على أكثر من 1.3 مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تعزيز علاقاتها مع الصين، بينما يوسع البلدان تعاونهما ليتجاوز التجارة ويشمل التكنولوجيا والتعاون العسكري.


وجلس شي، الذي يزور مصر لمدة ثلاثة أيام، لإجراء محادثات مع السيسي، يوم الأربعاء، في ظل حرب إيران التي أثارت اضطرابًا في المنطقة، وأربكت أسواق الطاقة، وأعادت طرح تساؤلات حول دور واشنطن في الشرق الأوسط.


اتفاقات جديدة في الذكاء الاصطناعي والتجارة


بحسب بيان نشرته وكالة أنباء شينخوا الصينية الرسمية حول الاجتماع، وقع الجانبان اتفاقات للتعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتجارة وسلاسل الإمداد ومجالات اقتصادية أخرى.


وقالت الصين إنها مستعدة للعمل مع «جميع الدول» لحماية ممرات الملاحة الدولية و«القضاء على البيئة الحاضنة للصراع».


وفي إشارة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة، دعا شي «القوى الكبرى من خارج المنطقة» إلى «التخلي عن المعايير المزدوجة» واحترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها، وفقًا للبيان.


وقالت مصر إن البلدين «يرفضان بشدة المعايير المزدوجة في جهود مكافحة الإرهاب، ويعارضان ربط الإرهاب بأي دين أو عِرق أو جنسية بعينها».


ورأى دينج لونج، أستاذ معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة الدراسات الدولية في شنجهاي، أن تشكيك حلفاء الولايات المتحدة في موثوقية واشنطن كشريك يجعل رغبة دول مثل مصر في تعزيز علاقاتها مع الصين أمرًا منطقيًا.


وقال دينج: «لا يمكنك وضع كل البيض في سلة واحدة والاعتماد على الولايات المتحدة وحدها. تحتاج إلى التنويع. وفي إطار هذا التنويع، تعد الصين شريكًا مهمًا للغاية».


وتأتي زيارة شي إلى مصر قبل اجتماع متوقع مع ترامب في وقت لاحق من هذا الشهر، كما تحمل رسالة مفادها أن الصين لديها أصدقاء حتى داخل دائرة النفوذ الخاصة بالولايات المتحدة.


وكان شي قد شارك في وقت سابق من هذا الأسبوع في قمة أمنية في قرغيزستان، إلى جانب زعيمي روسيا وإيران.


سبعة عقود من العلاقات وتوسع التعاون العسكري


يزور شي مصر للاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وتعد الصين أكبر شريك تجاري لمصر، كما وسعت استثماراتها في البلاد خلال السنوات الأخيرة.


ووقعت شركات صناعة السيارات الصينية اتفاقات لتجميع السيارات محليًا، فيما ساهمت شركات صينية في تنفيذ مشروعات بنية تحتية رئيسية في القاهرة، من بينها العاصمة الإدارية الجديدة وخط للقطار الكهربائي الخفيف.


ونما حجم التجارة بين البلدين بنسبة 60% خلال العقد الماضي، ليتجاوز 20 مليار دولار العام الماضي، مقارنة بنحو 13 مليار دولار في عام 2015.


وامتد هذا التعاون إلى مجالات أكثر حساسية. ففي الشهر الماضي، أجرى البلدان تدريبات عسكرية مشتركة شاركت فيها مقاتلات صينية من طراز «J-16» في تدريبات قتالية ضد مقاتلات «رافال» الفرنسية الصنع التابعة للقوات الجوية المصرية، ما أتاح لبكين فرصة أكبر لدراسة المعدات الغربية التي تستخدمها جيوش أخرى.


وقال دينج، إن «التعاون بين الجانبين يتعمق ويتوسع ويشمل مجالات جديدة، مثل القضايا العسكرية والأمنية»، مشيرًا إلى تعاون البلدين أيضًا في مشروعات مرتبطة بالفضاء، من بينها الأقمار الصناعية.


ومع ذلك، لا توجد مؤشرات كثيرة على أن أيًا من البلدين يسعى إلى منح بكين دورًا يتجاوز الدور التكميلي في المنظومة العسكرية المصرية.


وشكلت زيارة شي إلى مصر، باعتبارها الدولة العربية الأكثر سكانًا، فرصة أخرى للرئيس الصيني لمحاولة التأثير في التصورات تجاه الصين في العالم العربي.


وقال إريك أولاندر، رئيس تحرير «مشروع الصين والجنوب العالمي»، وهي جهة بحثية، إن عدم انخراط مصر في حرب إيران وعدم اصطفافها بشكل وثيق مع الولايات المتحدة «يمنحانه فرصة ليكون في المنطقة، مع الاستمرار في التحكم في الصورة والرسالة».


وعززت مصر علاقاتها مع الصين على مدى أكثر من عقد، منذ زيارة السيسي إلى بكين عام 2014. وقال هشام هيلير، الزميل المشارك البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، إن مصر واحدة من دول عديدة، خصوصًا في الخليج، سعت خلال العقد الماضي إلى تنويع علاقاتها الدولية.


القاهرة لا تستبدل واشنطن ببكين


وقال هيلير: «الأمر لا يتعلق باستبدال الدور الأمريكي. لا أعتقد أن أي دولة في المنطقة أقامت علاقات قوية مع الولايات المتحدة تريد التخلي عنها». لكنه أشار إلى أن هذه الدول تدرك جيدًا أن واشنطن، رغم حربها مع إيران، سعت لسنوات إلى تقليص انخراطها في المنطقة.


وتكشف العلاقات المصرية الصينية المتنامية عن مسار يتجاوز التعاون التجاري التقليدي، ليشمل البنية التحتية والتكنولوجيا والتعاون العسكري، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تنويع شراكاتها الدولية.


وبالنسبة إلى شي، لا تقتصر أهمية مصر على العلاقات الثنائية، إذ توفر له الزيارة منصة لإظهار حضور الصين في الشرق الأوسط والتواصل مع العالم العربي، خصوصًا في ظل اضطراب المنطقة وتزايد التساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة بدورها التقليدي فيها.


وتشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقات بين القاهرة وبكين أصبحت أكثر اتساعًا وتعقيدًا، بدءًا من الاستثمارات والمشروعات الكبرى، مرورًا بالذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى التدريبات العسكرية والتعاون الفضائي.


ومع ذلك، لا يعني التقارب المصري الصيني بالضرورة تحول القاهرة بعيدًا عن واشنطن. فمصر، التي تعتمد على علاقاتها مع الولايات المتحدة في مجالات أمنية وعسكرية مهمة، تسعى في الوقت نفسه إلى توسيع خياراتها الدولية، وتعزيز قدرتها على المناورة بين القوى الكبرى.


وبهذا المعنى، تعكس زيارة شي إلى القاهرة محاولة صينية لتوسيع النفوذ في منطقة مضطربة، بينما تمنح مصر نفسها مساحة أكبر لتنويع شراكاتها والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية المختلفة.

 

https://www.nytimes.com/2026/09/02/world/asia/china-egypt-xi-jinping-el-sisi.html